شعب الطوابير
في الأدبيات السياسية، ارتبطت كلمة “الطابور” لسنوات طويلة بمصطلح “الطابور الخامس”؛ ذلك الوصف الذي يُطلق على من يعمل في الخفاء ضد وطنه. لكن في فلسطين، تغيّر معنى الكلمة. لم يعد الطابور مجرد مصطلح سياسي، بل أصبح واقعاً يومياً يختصر حياة شعب كامل.
نحن شعب الطوابير.
لا لأننا اخترنا الانتظار، بل لأن الاحتلال أتقن صناعة الانتظار، ولأن سوء الإدارة والفساد في كثير من الأحيان جعلا من هذا الانتظار أسلوب حياة لا ينتهي.
يقف الفلسطيني في طابور الحاجز قبل أن يصل إلى عمله، ويقف في طابور المعبر إذا أراد السفر، ويقف في طابور المؤسسة لإنجاز معاملة، ثم يقف في طابور المخبز عندما تشتد الأزمات، وفي طابور محطة الوقود ليحصل على ما يكفيه من المحروقات، وكأن حياته كلها سلسلة من الصفوف التي لا تنتهي.
وفي غزة، تحولت الطوابير إلى مشهد أكثر قسوة.
هناك، لم يعد الناس يقفون في طوابير لشراء الكماليات، بل يقفون في طوابير التكية من أجل وجبة قد تكون الوحيدة في يومهم. ينتظرون ساعات طويلة تحت الشمس، أو بين الركام، أو وسط الخوف، على أمل أن يصل إليهم دورهم قبل أن ينفد الطعام.
أي واقع هذا الذي يجعل الإنسان يقف في طابور من أجل رغيف خبز، أو صحن طعام، أو لتر وقود، أو حقه في المرور إلى مدينته؟
لقد نجح الاحتلال، عبر منظومة الحواجز والإغلاقات والسيطرة على الحركة والموارد، في تحويل الوقت الفلسطيني إلى وقتٍ مُعلّق. ساعات طويلة تُهدر كل يوم في الانتظار، وأعمار تُستهلك على أبواب الحواجز والمعابر، بينما يبدو وكأن سرقة الوقت أصبحت شكلاً آخر من أشكال السيطرة.
لكن الاحتلال ليس وحده من يصنع الطوابير.
حين يقف المواطن ساعات للحصول على خدمة أساسية بسبب سوء الإدارة، أو بسبب الفساد، أو بسبب غياب التخطيط، فإن ذلك يضيف طابوراً جديداً إلى حياة الفلسطيني المثقلة أصلاً. وعندما تصبح أزمة المحروقات أو الخدمات أو المعاملات الإدارية مرتبطة بالفوضى أو بالمصالح الضيقة، فإن المواطن يدفع الثمن مرتين؛ مرة بسبب الاحتلال، ومرة بسبب خلل الداخل.
وهكذا يجد الفلسطيني نفسه محاصراً بين احتلال يصادر حريته، وواقع داخلي يزيد من أعبائه، بينما يبقى هو الحلقة الأضعف التي تقف دائماً في آخر الطابور.
المؤلم أن الأجيال الجديدة بدأت تعتقد أن هذا هو الشكل الطبيعي للحياة. أن تقف ساعات على حاجز، أو تنتظر الوقود، أو تؤجل موعداً لأن الطريق مغلق، أو تبحث عن وجبة في تكية، أو تخشى ألا يأتي دورك قبل انتهاء الكمية… كلها أصبحت تفاصيل يومية، بينما هي في أي مكان آخر من العالم أحداث استثنائية.
حتى مفرداتنا تغيرت.
لم نعد نقول: “سنلتقي الساعة العاشرة”، بل نقول: “إذا فتح الحاجز”.
ولم نعد نسأل: “كم يستغرق الطريق؟”، بل: “كم سيكون الطابور؟”
صار الوقت في فلسطين لا تقيسه الساعة، بل يقيسه طول الصف.
ربما لهذا السبب لم تعد كلمة “الطابور” مجرد وصف لمجموعة من الناس تنتظر دورها، بل أصبحت اختصاراً لحكاية شعب كامل؛ شعب ينتظر حرية الحركة، وينتظر الكهرباء، وينتظر الوقود، وينتظر الطعام، وينتظر العلاج، وينتظر السفر، وينتظر العدالة… وينتظر منذ عقود أن يعيش حياة طبيعية.
لقد تحولت الطوابير إلى أحد أكثر الرموز تعبيراً عن الواقع الفلسطيني.
فالطابور هنا ليس مجرد انتظار…
إنه صورة يومية للاحتلال، ومرآة تكشف أيضاً كل خلل داخلي يزيد معاناة الناس.
وحين يصبح الانتظار هو القاعدة، والحياة الطبيعية هي الاستثناء، فإن القضية لم تعد مجرد أزمة عابرة، بل أسلوب حياة فُرض على شعبٍ كامل… حتى استحق أن يُسمّى، دون مبالغة، شعب الطوابير.