من الصمود الاستنزافي إلى الصمود الإنتاجي كيف تنتقل المجتمعات من إدارة الأزمات إلى بناء القدرة؟
طوال العقود الماضية، اكتسب مفهوم الصمود مكانة مركزية في الخطاب الفلسطيني والعربي، وارتبط بالقدرة على البقاء ومواجهة الأزمات وتحمّل الضغوط. غير أن ما يجري على الأرض اليوم يفرض سؤالاً أكثر إلحاحًا: هل يكفي أن نصمد؟
فالتجربة العملية تكشف أن الصمود ليس نوعًا واحدًا. ما يشهده الاقتصاد الفلسطيني حاليًا مثال حيّ على ذلك: تحوّلت الإدارة الاقتصادية بصورة موثّقة من منطق “كيف نحقق النمو؟” إلى منطق “كيف نحافظ على بقاء المجتمع والخدمات والمؤسسات؟” — أي من إدارة تنموية إلى إدارة صمود وبقاء محضة. هذا التحول ليس افتراضًا نظريًا، بل واقع تُسجّله المتابعات الاقتصادية الفلسطينية شهرًا بعد شهر.
وهذا بالضبط ما تسميه هذه المدرسة الصمود الاستنزافي: صمود يُدار عبر استهلاك المدخرات، وتأجيل المشاريع، وزيادة الديون، وتقليص الإنفاق على التعليم والصحة والاستثمار. المجتمع يستمر ظاهريًا، لكنه يستهلك مستقبله تدريجيًا. وفي المقابل، الصمود الإنتاجي لا يكتفي بتأجيل أثر الأزمة، بل يحوّل الموارد المتاحة إلى أدوات لبناء القدرة — لا يسأل فقط كيف نستمر اليوم، بل كيف نصبح أكثر قدرة غدًا.
هذا التمييز ليس ابتكارًا معزولاً عن الأدبيات العالمية، بل تطوير له. فقد ميّزت دراسات الصمود الدولية (Béné et al.) منذ عام 2012 بين ثلاث قدرات: قدرة امتصاصية تمتص الصدمة دون تغيير حقيقي في النظام، وقدرة تكيّفية، وقدرة تحويلية تعيد بناء النظام نفسه نحو وضع أفضل. ما تضيفه مدرسة اقتصاد الصمود الاجتماعي هو ربط هذا التمييز الدولي بأدوات تمويل واقعية متجذرة في السياق العربي والإسلامي، بدل تركه تصنيفًا نظريًا مجردًا.
وفي السياق الفلسطيني تحديدًا، وثّق باحثون مثل طارق دنا كيف شكّلت الزراعة والتعاونيات الزراعية عصب “الاقتصاد المقاوم” في مواجهة الحصار — لا كأداة صمود استهلاكية، بل كقاعدة إنتاج مستمرة رغم القيود. وهذا يؤكد أن مسار الصمود الإنتاجي ليس فرضية بعيدة عن الواقع، بل امتداد لتجربة قائمة فعلاً في قطاعات بعينها، تحتاج إلى تعميم وتأطير لا إلى اختراع من الصفر.
فالمجتمعات لا تبني قوتها من المال وحده، بل من قدرتها على التعاون والتنظيم والعمل المشترك. وحين يتحول التماسك الاجتماعي إلى رأس مال اجتماعي، ويتحول رأس المال الاجتماعي إلى مؤسسات مجتمعية فعالة، تبدأ القدرة الإنتاجية في التشكل.
لكن هذا الانتقال لا يحدث تلقائيًا، وهنا يكمن التحدي الحقيقي في كثير من المجتمعات العربية اليوم: ليس غياب التضامن أو ضعف الإرادة، بل غياب آليات مؤسسية كافية تحوّل هذه الطاقة الاجتماعية إلى مشاريع وفرص اقتصادية مستدامة.
وهذا ليس اختيارًا اقتصاديًا فقط، بل معنى مقصود شرعًا: فحفظ المال لا يتحقق بادّخاره خوفًا من الأزمة، بل بتحويله إلى عمل ينتج ويبقى؛ وعمارة الأرض ليست شعارًا، بل هي ذاتها الطريق إلى الصمود الحقيقي.
وهذه الآلية موجودة فعلاً في التراث الاقتصادي الإسلامي، وإن أُهملت وظيفتها الإنتاجية لصالح وظيفتها الإغاثية وحدها: فالوقف حين يُدار كمؤسسة استثمارية لا صدقة تُصرف وتنتهي، والزكاة حين تُوجَّه لبناء أصل إنتاجي لا لتوزيع استهلاكي فوري، والتمويل التشاركي حين يحل محل اشتراط الضمانات العقارية التي تُقصي أصلاً غالبية المنتجين الصغار — هذه الأدوات الثلاثة مجتمعة هي الجسر المؤسسي الذي يحوّل التعاون العابر إلى قدرة إنتاجية دائمة.
هذا ليس طرحًا نظريًا معلّقًا: تجربة “مِشكاة” التجريبية في فلسطين — التي تربط تعاونيات ومنتجين صغارًا قائمين فعلاً بصيغ التمويل الإسلامي التشاركي عبر أداة رقمية مبسّطة — نموذج أولي لكيفية تفعيل هذا الجسر عمليًا لا نظريًا فقط.
فالسؤال لم يعد: هل نتعاون؟ فالتعاون موجود أصلاً، والصمود موجود أصلاً. السؤال هو: هل نمنح هذا التعاون شكلاً مؤسسيًا يحوّله من امتصاص للصدمة إلى بناء للقدرة؟ هذا هو الفارق الحقيقي بين مجتمع يُدير أزمته، ومجتمع يبني مستقبله رغم أزمته.
المقالة الرابعة ضمن سلسلة “من الصمود إلى الإنتاج”
مدرسة اقتصاد الصمود الاجتماعي
الاستخلاف غاية المدرسة، والعمران ثمرتها، والإنتاج طريقها.