ما بين الحقيقة الفلسطينية والسردية الإسرائيلية.. "يُقتل الصحفيون"
دمار لم يستثنٍ أحد، فقطاع غزة الذي بدا كصحراء مهجورة، والذي دُمر بفعل الحرب الإسرائيلية عليه. يظهر من بين ثنايا الدمار وتصاعد أعمدة الدخان وألسنة لهب النار، كائن بشري من بين الحطام، يحمل بين يديه كاميرا وميكروفون متحديا مصيرة، وهدفة واحد: نقل الصورة الكاملة عن فلسطين. وهذا ما لا تريده إسرائيل بتاتاً، وهدفها هي الأخرى طمس الحقيقة الغزية عن العالم واستبدالها بسرديتها المضللة، وهذا لن يكون سوى بقتل من يحمل أمانة القلم ومسؤولية الكلمة.
وقد أكدت صحيفة "هآرتس"، إن السلطات شددت عدم السماح للصحفيين بتصوير مشاهد الدمار خلال رحلات الإنزال الجوي. أثار هذا القرار في حينة ردود فعل غاضبة، مع الإشارة بالبنان لإسرائيل بالتستر على حجم الكارثة الإنسانية والبنية التحتية في قطاع غزة، والمقصود من هذا كلة هو طمس حقيقة الدمار الشامل الذي خلفتة الحرب. يؤيد هذا المقال ماقالتة" إيرين خان"المعنية بحرية الرأي والتعبير: "إن الجيش يسعى إلى قتل الحقيقة بإسكات كل صوت يروي ما يجري في غزة. ومن هذا المدخل تحاول إسرائيل الترويج العالمي لروايتها الكاذبة، ومحاولاتها المتكررة من تنصيب نفسها على أنها البطل المقاوم وصاحب الحق والأرض، من خلال مطابخها الإعلامية المنحازة. وهذا بدورة يتطلب أسر أو قتل الصحفي الذي يريد الوصول إلى الحقيقة بين شظايا القصف وأصوات الرصاص ونقلها للعالم بحيادية وشفافية، ولهذا السبب تجاوز عدد الشهداء الصحفيين 265 شهيداً، منذ 7 أكتوبر 2023،إضافة إلى الأسرى والمعتقلين.
لم تكتفي الصهيونية بقمع وقتل الصحفيين العرب،بل طالت يدها لتشمل الصحفيين الدوليين،الذين فرض عليهم النظام هناك حظراً شاملاً، ومن أراد الدخول يقتصر دخولة ضمن جولات مرافقة وتحت رقابة جيش الإحتلال، لا يسمح لهم بممارسة نشاطهم المهني بشكل مستقل. ترجع إسرائيل أسباب الحظر لحجج واهية تحت كنانة المظلة الأمنية، تهدف من خلالها حجب الحقائق عن العالم الخارجي من توثيق الإبادة الجماعية بحق الإنسانية، هذا ما تؤكدة منظمات حقوقية دولية. تغييب الحقيقة يُولد ما يعرف بـــ" حرب الدعاية"، في تشكيل رأي عالمي مساند لنتنياهو، والتاثير على أفكارة وسلوكة لخدمة أهداف سياسية وعسكرية، وتحقيق مكاسب معادلة لإنتصارات على الأرض. دخول الصحفيين الأجانب إلى المدينة المقدسة يشكل خوفاً على الطرف الأخر من ردة الفعل العالمي تجاة إسرائيل، واتهامها بإرتكاب جرائم حرب ضد الإنسانية، ولهذا لجأ الجيش لحظر الصحفيين الدوليين وقتل المحليين كخيار أخير فرض نفسة على الواقع؛ ليتسنى له نقل خرافاتة وادعاءاتة للعالم، وهذا ما دفع الأمين العام للأمم المتحدة "انطونيو غوتيريش" للقول: إن منع الصحفيين الدوليين من دخول غزة يسمح بتفاقم المعلومات المضللة والروايات الكاذبة.
ومع هذا كله بقي العالم متفرجاً من على بعد الآلاف الكيلو مترات، مكتفياً بإصدار بيانات الإدانة والإستنكار التي لم تفي بالغرض المطلوب، فبيانات تصدر من خلف المكاتب لن تصنع شيء ملموس على الواقع سوى خبر يعرض على شاشات التلفزة، دون قرار ملزم صادر من مجلس الأمن يحمل في طياتة معاقبة إسرائيل على ما أرتكبتة من إبادة جماعية طالت الصحفيين، وإلزامها منحهم الحرية الكاملة للتغطية هناك. الجيش لن يلتزم بأي قانون مادام سفك الدماء هو القانون السائد وفق سياسة الأرض المحروقة. وهنا يحق لنا أن نتساءل عن قرار مجلس الأمن الصادر عام 2015 رقم 2222، الناص على حماية الصحفيين، وتقديم قادة الإحتلال للمحكمة الجنائية الدولية. وهو ذات القرار الذي رحب بة الأمين العام الأسبق لمنظمة مراسلون بلا حدود كريستوف ديلوار خلال مداخلتة في مقر الأمم المتحدة. ولكن ما الذي حدث؟ .
وبالتوازي مع الحرب السياسية والعسكرية، تشن إسرائيل حرباً أخرى موازية،لا تقل خطورة عن الحرب العسكرية، والمتمثلة بـــ"الرواية السردية"، فمع محاولة قتل الحقيقة بقتل المراسلون، أنتقلت بروايتها الطائشة ، للتضليل على الرأي العام العالمي، من خلال الترويج لسرديتها، من الأشخاص والفاعلين الدوليين إلى شركات التكنولوجيا الكبرى، وبكلفة بلغت مليارات الدولارات لتفعيل رقابة على أي صوت أو محتوى يدعم القضية الفلسطينية، وفق وثائق منظمة"هيومن رايتس ووتش".
بعد كل هذه الوسائل الشكلية المستخدمة ضد الصحفيين في غزة، من قمع وأسر واستهداف ممنهج، وصل الصوت إلى العالم بالشكل الذي يليق بالحقيقة، ومضى المراسل بكاميرتة وميكروفونة بكل شجاعة وبسالة همه الوحيد نقل رسالة واضحة للعالم أجمع، مفادها: أن غزة تساوت بالأرض، والناس يقتلون بالجماعة. وما تزال التغطية مستمرة.