حين يصبح الوقود طابوراً آخر في حياة الفلسطيني
في فلسطين، لا يحتاج المواطن إلى أزمة جديدة كي يتعلم الانتظار. الانتظار جزء من يومه منذ سنوات؛ على الحواجز، عند المعابر، أمام المخابز، في المؤسسات، وفي كل مكان يمكن أن تتحول فيه أبسط حقوق الإنسان إلى رحلة طويلة من الوقوف والترقب.
لكن طابور الوقود له حكاية مختلفة.
فأنت لا تقف أمام محطة المحروقات لأنك تريد رفاهية إضافية، ولا لأنك تبحث عن شيء يمكن الاستغناء عنه. أنت تقف لأن السيارة بالنسبة لك وسيلة للوصول إلى عملك، ولإيصال أطفالك إلى مدارسهم، وللوصول إلى المستشفى، ولشراء احتياجات البيت، وللحفاظ على الحد الأدنى من انتظام حياتك.
وحين يصبح الحصول على الوقود نفسه رحلة انتظار، فإن الأزمة لا تعود أزمة محروقات فقط، بل تصبح أزمة حياة.
المشهد في الشوارع واضح: محطات تشهد ازدحاماً، مواطنون يحاولون تأمين حاجتهم قبل أن تتفاقم المشكلة، وأصحاب محطات يجدون أنفسهم في مواجهة أسئلة لا يملكون جميع إجاباتها. وفي الخلفية، حديث عن التوريد، وعن صعوبات مالية وتحويلات، وعن تداعيات إقليمية، بينما تبقى الصورة بالنسبة للمواطن ناقصة.
هو لا يريد أن يصبح خبيراً في الاقتصاد أو في آليات استيراد الوقود.
يريد أن يعرف فقط: لماذا يقف؟
والأهم: إلى متى سيبقى واقفاً؟
المشكلة أن الغموض في الأزمات أخطر أحياناً من الأزمة نفسها. عندما لا تصل المعلومة الواضحة، تبدأ التفسيرات بالانتشار، ويصبح كل حديث في محطة وقود مصدراً محتملاً للخبر. شخص يقول إن المشكلة في التوريد، وآخر يربطها بالمال والتحويلات، وثالث يخشى من تطورات إقليمية، ورابع يتحدث عن نقص قادم.
وفي النهاية، المواطن هو من يقف في الطابور، وهو من يدفع.
وهنا يصبح من الصعب إقناعه بأن المشكلة سببها “التهافت” على المحطات.
فالناس لا تتجه إلى المحطات بكثافة من فراغ. عندما يشعر المواطن أن سلعة أساسية قد لا تكون متوفرة غداً، فمن الطبيعي أن يحاول تأمين حاجته اليوم. الخوف من النقص هو الذي يصنع الازدحام، وليس الازدحام وحده هو الذي يصنع الأزمة.
ثم إن المواطن ليس الطرف الذي يحدد كميات التوريد، ولا يدير عمليات الاستيراد، ولا يتحكم بالتحويلات المالية، ولا يضع السياسات الاقتصادية.
هو ببساطة آخر الحلقة. يدفع ثمن اللتر، ويعود إلى بيته، ثم ينتظر الأزمة التالية.
وهنا السؤال الذي لا يجوز أن يضيع وسط الطوابير: إذا كان المواطن يدفع، وإذا كانت محطات الوقود تسدد التزاماتها، وإذا كان التوريد قائماً، فأين تتعطل الحلقة؟
السؤال ليس اتهاماً لأحد، لكنه سؤال طبيعي في أزمة تمس كل بيت تقريباً.
والإجابة عنه ليست ترفاً إعلامياً. هي حق للمواطن.
لكن المشكلة الفلسطينية أوسع من أزمة وقود.
فحين تتكرر الأزمات، ويغيب التفسير، وتتأخر الحلول، يصبح من حق الناس أن يسألوا أيضاً عن طريقة إدارة المال العام، وعن آليات اتخاذ القرار، وعن مدى الشفافية، وعن المسؤولية السياسية والإدارية لمن يديرون الشأن العام.
وهنا لا يمكن تجاهل الحديث المتكرر في الشارع الفلسطيني عن الفساد داخل مؤسسات السلطة الفلسطينية، وعن المحسوبية وسوء الإدارة وغياب الشفافية في بعض الملفات. هذه ليست مجرد تفاصيل جانبية في حياة الناس؛ لأن أي خلل في إدارة المال أو الموارد أو الخدمات لا يبقى داخل المكاتب الحكومية، بل يصل في النهاية إلى جيب المواطن وطوابيره وبيته.
الاحتلال يفرض قيوده، نعم.
والواقع الاقتصادي الفلسطيني شديد الصعوبة، نعم.
والتحويلات والأزمات الإقليمية لها أثرها، نعم.
لكن كل ذلك لا ينبغي أن يتحول إلى مظلة تُغطّي كل فشل داخلي، ولا إلى إجابة جاهزة عن كل سؤال.
فالاحتلال لا يعفي السلطة من الشفافية.
والأزمة المالية لا تلغي حق المواطن في معرفة أين تذهب الأموال وكيف تُدار.
والظروف السياسية الصعبة لا تمنح أي مسؤول حصانة من المساءلة.
هناك فرق بين أن يكون لديك واقع مستحيل، وبين أن تجعل هذا الواقع مبرراً لكل شيء.
والفلسطيني يعرف الفرق جيداً.
يعرف أن الاحتلال سبب رئيسي في كثير من القيود التي يعيشها، لكنه يعرف أيضاً أن بعض معاناته تأتي من الداخل، من البيروقراطية، ومن سوء الإدارة، ومن المحسوبية، ومن غياب المحاسبة، ومن منظومة يشعر المواطن أحياناً أنها تطلب منه الصبر أكثر مما تقدم له إجابات.
ولهذا، عندما يرى المواطن طابور الوقود، لا يرى فقط أزمة توريد.
يرى دولة معلقة بين احتلال يضيّق عليها، وإدارة مطالبة بأن تحمي ما تستطيع من حياة الناس.
يرى اقتصاداً مكبلاً من الخارج، لكنه يريد أن يعرف أيضاً كيف يُدار من الداخل.
يرى أزمة مالية، لكنه يريد أن يعرف أين تذهب الموارد المتاحة.
ويرى طوابير طويلة، ثم يسمع عن أرقام وموازنات ومؤسسات ورواتب وامتيازات، فيتساءل: لماذا يبقى المواطن دائماً هو الحلقة الأضعف؟
وفي هذه اللحظة تحديداً، لا يمكن فصل طابور الوقود عن طابور أكبر بكثير.
طابور الراتب.
مع نهاية كل شهر، هناك آلاف الموظفين والعائلات الذين ينتظرون معرفة مصير رواتبهم. ينتظرون أن يعرفوا هل سيصل الراتب، ومتى، وبأي قيمة، وكيف سيمر الشهر التالي.
وهكذا يصبح الفلسطيني عالقاً بين انتظارين: ينتظر الوقود كي يستطيع أن يتحرك، وينتظر الراتب كي يستطيع أن يعيش.
وفي الحالتين، هو لا يملك الإجابة.
وهذه هي المشكلة الحقيقية.
أن يتحول المواطن من صاحب حق إلى شخص ينتظر من يخبره ماذا يحدث.
ينتظر على الحاجز.
ينتظر أمام المعبر.
ينتظر أمام المخبز.
ينتظر أمام محطة الوقود.
وينتظر آخر الشهر أمام حسابه البنكي.
وفي غزة، يأخذ الانتظار شكلاً أكثر قسوة. هناك، لم تعد الطوابير مرتبطة بحركة السيارات أو تفاصيل الحياة اليومية، بل أصبح الإنسان يقف في طوابير الطعام، أمام التكايا ومراكز توزيع المساعدات، منتظراً وجبة قد تكون ما سيأكله ذلك اليوم.
أي قسوة أكبر من أن يصبح الطعام طابوراً؟
وأي حياة هذه التي يتحول فيها الوقود والخبز والراتب والطعام إلى أشياء عليك أن تنتظرها، دون أن تعرف متى يأتي دورك؟
ربما لهذا السبب تبدو أزمة الوقود أكبر من أزمة محطات.
إنها تذكير جديد بأن الفلسطيني يعيش في مساحة ضيقة من الخيارات، تحاصره فيها قيود الاحتلال من جهة، وتضغط عليه الأزمات الاقتصادية والإدارية والفساد وسوء الإدارة من جهة أخرى، بينما يظل المواطن في المنتصف.
والمطلوب هنا ليس بياناً يشرح كثيراً ولا يقول ما يكفي.
المطلوب حقيقة واضحة.
أن يعرف المواطن أين تكمن المشكلة، وما الذي يجري لمعالجتها، ومن يتحمل مسؤولية الخلل إن كان هناك خلل، وكيف تُدار الموارد، وكيف تُصرف الأموال العامة، ومتى يمكن للناس أن تعود إلى حياتها الطبيعية.
لأن المواطن الفلسطيني تعب من الانتظار.
تعب من أن يكون دائماً آخر من يعرف، وأول من يدفع الثمن.
تعب من أن يتحول كل شيء في حياته إلى طابور.
ولعل السؤال الأهم ليس: لماذا يقف الفلسطيني في طابور الوقود؟
بل:
لماذا أصبح الطابور جزءاً من حياته أصلاً؟
ومن يقف في آخر الطابور، لا ينبغي أن يكون دائماً المواطن.
ربما حان الوقت لأن يقف المسؤول أمام الأسئلة.