غزة ليست فوق الصحابة… والتضحية لا تصنع مقاماً
في غزة، حيث اختلط الدم بالتراب والحياة بالموت، وحيث عاش الناس أقسى صور الألم والوجع، وأصبح الصبر على الألم جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، نشأت خلال سنوات المحنة حالة واسعة من الاعتزاز بما قدمه أبناء القطاع من تضحيات وصمود. ومن الطبيعي أن يشعر الإنسان بالفخر بأهله، وأن يرفع رأسه بما قدمه أبناء هذه الأرض من تضحيات وصمود. وهذا الاعتزاز مفهوم ومشروع، فالتضحيات التي قدمها الناس، وما تحملته الأسر من فقد ونزوح وجوع وخوف، ستبقى جزء من الذاكرة الفلسطينية والإنسانية. غير أن عظمة المأساة لا تعني أن نعيد ترتيب المقامات الدينية والشرفية، ولا أن تتحول التضحيات إلى معيار للمفاضلة بين أبناء هذا العصر وأصحاب رسول الله ﷺ. وقد سمعت في حديث عابر قولاً ينسب إلى بعض الناس، في غزة معنى أن هناك من هو أفضل من الصحابة، فتوقفت عند الفكرة أكثر مما توقفت عند القائل؛ لأن القضية، إن صحت، ليست قضية شخص بعينه، وإنما قضية مفهوم يحتاج إلى مراجعة: هل يمكن أن يبلغ الإنسان في غزة مهما عظمت تضحياته منزلة أفضل من منزلة أصحاب رسول الله ﷺ؟
هنا نحتاج إلى وقفة علمية هادئة؛ ليس انتقاصاً من غزة، ولا من شهدائها، نحتاج إلى التفريق بين أمور قد تختلط على البعض: بين عظمة التضحية، وعظمة الأجر، وعظمة المنزلة. فالنبي ﷺ وضع للصحابة منزلة لم يضعها لجيل آخر. فقال: "خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم". وهذه ليست عبارة تاريخية عابرة، وإنما شهادة نبوية على خيرية ذلك الجيل. والصحابة لم يكونوا مجرد أناس عاشوا في زمن النبي ﷺ؛ كانوا الجيل الذي آمن به ونصره، وصاحبه، وتلقى عنه الدين، وحمل الرسالة من بعده إلى الناس. ولذلك كانت الصحبة نفسها منزلة خاصة. واليوم قد يبلغ الإنسان في زمن الفتن والشدائد منزلة عظيمة بالصبر والثبات والتضحية، وقد يكون لشهيدٍ أو صابرٍ أو مرابطٍ أجرٌ عظيم عند الله، لكن عظمة الأجر لا تعني بالضرورة علو المنزلة على أصحاب النبي ﷺ. فهناك فرق بين ثواب العمل، وبين المنزلة التي اختص الله بها جيل الصحابة.
هذا المعنى يتضح بصورة جميلة في حديث النبي ﷺ حين قال: "وددت أني قد رأيت إخواننا"، فقال الصحابة: "أولسنا إخوانك يا رسول الله" فقال: "بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد". في كلمات قليلة وضع النبي ﷺ حداً واضحاً بين مقام الصحبة ومقام من جاء بعد الصحابة. فالمؤمنون المتأخرون لهم شرف الأخوة بالإيمان، لكن الصحابة ظلوا أصحاباً له، وهي منزلة ارتبطت بلقاء النبي ﷺ والإيمان به ونصرته. ومن هنا فإن محبة النبي ﷺ لمن يأتي بعده لا تعني مساواته بالصحابة، كما أن عظمة البلاء الذي يعيشه الإنسان لا تمنحه تلقائياً مقاماً أعلى من مقام من سبقه. وهذا لا ينتقص بأي صورة من شهداء غزة أو من تضحيات أهلها. فشهيد غزة لا يحتاج إلى أن نضعه فوق صحابي حتى نعترف بفضله. والأم التي فقدت أبناءها لا تحتاج إلى أن نرفع أبناءها إلى مقامات لا نملكها حتى نعترف بعظمة مصابها. ومن صبر على الجوع والنزوح والخوف والدمار لا يحتاج إلى مبالغة في وصفه حتى يكون جديراً بالاحترام. فالتضحية عظيمة بذاتها، ولا تحتاج إلى صناعة مقام فوقها، ولا تحتاج إلى مبالغة تفسد معناها. كما أن الشهادة باب عظيم من أبواب الفضل، لكن منزلة الشهيد شيء، ومنزلة الصحبة شيء آخر. ولا يصح تحويل فضيلة إلى فضيلة أخرى، أو استخدام منزلة شرعية لإلغاء منزلة شرعية مختلفة.
لا نستطيع أن نعيد كتابة التاريخ وأن نحول أنفسنا إلى طبقة فوق الصحابة. فالمبالغة في هذا الباب قد تسيء إلى أصحاب التضحيات أنفسهم؛ لأنها تنقل الحديث عن الإخلاص والصبر والبذل إلى مساحة المفاضلة والمزايدة، وقد تجعل الألم وسيلة لإنتاج رموز تتجاوز حدود ما يمكن إثباته شرعاً. وغزة تحديدا لا تحتاج إلى أسطورة إضافية حتى تكتسب قيمتها، فما عاشه أهلها خلال سنوات الحرب والحصار والنزوح كافٍ ليجعل تجربتهم الإنسانية واحدة من أقسى التجارب في العصر الحديث. وما قدمه الشهداء من أرواح، وما قدمته الأسر من أبنائها، وما تحمله الناس من فقد ودمار، لا يحتاج إلى مبالغة حتى يكتسب معناه. فالعظمة هنا في الحقيقة نفسها. ومن هنا ينبغي أن ننتبه إلى قاعدة أخرى: ليس كل من يعيش محنة عظيمة يصبح بالضرورة أعظم منزلة من كل من سبقه. فالابتلاء ليس مسابقة زمنية، والإيمان ليس معادلة تقول إن المتأخر كلما كان أكثر معاناة أصبح بالضرورة أفضل من المتقدم. وقد يكون الصبر في زمن المحن من أعظم أبواب الأجر، لكن الأجر لا يتحول تلقائياً إلى حكم بالتفوق المطلق.
وهذا التفريق مهم جداً، خصوصاً في غزة. فهي ليست بحاجة إلى صناعة أساطير دينية حول أبنائها، وإنما إلى أن نقول الحقيقة عنهم كما هي: شعب صمد، وأناس تحملوا ما يفوق قدرة البشر، وشهداء قدموا أرواحهم، وأمهات وآباء وأطفال عاشوا المأساة بكل تفاصيلها. هذه الحقيقة وحدها عظيمة. ولعل الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتحول التضحية إلى وسيلة للمزايدة، وعندما يصبح مقدار الألم مقياساً للتفوق على الآخرين، وعندما تتحول البطولة إلى ادعاء ديني يتجاوز حدود النص. أهل غزة ليسوا بحاجة إلى أن يكونوا فوق الصحابة حتى يكونوا عظماء. هم أبناء شعب ابتُلي، فصبر كثير منهم، وضحى كثير منهم، وفقد كثير منهم أعز ما يملك. ومن حقهم أن تُروى قصتهم بصدق، وأن تُحفظ كرامة شهدائهم، وأن يُعترف بتضحياتهم دون مبالغة ولا انتقاص. أما الصحابة، فلهم مقامهم الذي حفظته النصوص، ولهم فضلهم الذي لا يحتاج إلى دفاع انفعالي. واحترام الصحابة ليس موقفاً تاريخياً منفصلاً عن احترام شهداء فلسطين؛ فلا يوجد تعارض بين أن نجلّ أصحاب رسول الله ﷺ، وأن نحزن على شهدائنا ونعتز بتضحياتهم. بل إن إنصاف كل مقام بما يليق به هو جزء من الإنصاف الذي يحتاجه خطابنا الديني والوطني.
ومن أراد أن يكرم غزة حقاً، فليكرم شهداءها دون أن نضعهم في منزلة لا نملكها، ولنحفظ مكانة الصحابة دون أن ننتقص من تضحيات أهل فلسطين. فتكريم شهداء غزة لا يحتاج إلى منافسة شهداء بدر وأحد والخندق وسائر الصحابة حتى يكونوا شهداء عظماء. فتكريمهم لا يكون في المساس بذلك المقام، وإنما في معرفة قدرهم وحفظ المعنى الذي ماتوا من أجله. وأن نبقى أوفياء لدمائهم دون أن نحولها إلى مادة للتقديس أو المزايدة. فالتضحية قد ترفع صاحبها عند الله، والشهادة منزلة عظيمة، والصبر في زمن المحن عبادة جليلة؛ لكن مقام الصحبة مقام آخر، له خصوصيته التي لا تنتقل بالتشبيه ولا بالمفاضلة. وغزة تبقى عظيمة بما قدمت، لا لأنها فوق الصحابة؛ وشهداؤها مكرمون بما بذلوا، لا لأننا نحتاج إلى رفعهم فوق جيل اختاره الله لصحبة نبيه. والتضحية تصنع المجد، والشهادة تصنع الرجاء، أما المقامات عند الله فلا يملك ترتيبها إلا الله. وغزة لا تحتاج إلى أكثر من حقيقتها. حقيقتها وحدها تكفي.