بين زغاريد التوجيهي وجنازات الشهداء… لا وقت لفرحٍ كامل في فلسطين
هناك شعوب تعرف كيف تفرح، وشعوب تعرف كيف تحزن، أما الفلسطيني في الضفة الغربية فقد أُجبر على أن يتقن الأمرين في اللحظة نفسها.
في صباح اليوم، امتلأت البيوت بزغاريد النجاح، وتعالت أصوات الفخر بأبنائنا وبناتنا الذين اجتازوا امتحان الثانوية العامة بعد سنوات من التعب والسهر. كانت لحظة يستحقها كل طالب وكل أم وأب انتظروا هذه النتيجة بفارغ الصبر، لحظة كان من المفترض أن تكون يوماً خالصاً للفرح.
لكن في فلسطين لا يكتمل الفرح.
في الوقت الذي كانت فيه عائلات تحتضن أبناءها الناجحين، كانت عائلات أخرى تحتضن أبناءها للمرة الأخيرة. بينما كانت صور التفوق تنتشر على مواقع التواصل، كانت صور الشهداء والجرحى والاعتداءات تملأ الشاشات. وبين تكبيرات الفرح وصراخ الألم، وجد الفلسطيني نفسه عاجزاً حتى عن فهم مشاعره.
هل يبتسم لأنه نجح؟ أم يبكي لأن قرية بأكملها تعيش تحت هجوم؟ هل يرفع صورة ابنه المتفوق، أم يشارك صورة شهيد سقط في اليوم ذاته؟ هل يوزع الحلوى، أم يذهب لتقديم واجب العزاء؟
هذه ليست مبالغة، بل هي الحياة اليومية التي يعيشها الفلسطيني.
كل يوم يحمل خبراً جديداً عن شهيد، أو جريح، أو عائلة هجّرت، أو منزل أُحرق، أو طريق أُغلق، أو قرية تعرضت لهجوم، أو مزارع مُنع من الوصول إلى أرضه، أو طفل عاد إلى منزله مذعوراً لأنه رأى العنف للمرة الأولى… أو للمرة الألف.
الطرق لم تعد مجرد طرق، بل أصبحت رحلة مليئة بالقلق. لا أحد يعرف إن كان سيصل إلى عمله، أو جامعته، أو بيته، أو حتى إلى المستشفى. الإغلاقات والحواجز والاقتحامات أصبحت جزءاً من تفاصيل الحياة، حتى فقد الناس الشعور بما هو طبيعي.
والأكثر قسوة أن الفلسطيني لم يعد يخشى الموت وحده، بل بات يخشى الطريقة التي يُعامل بها الإنسان حتى بعد رحيله. فمشاهد التنكيل بجثامين الشهداء وسحبها بطريقة صادمة ليست مجرد انتهاك قانوني أو أخلاقي، بل جرح إنساني يترك أثراً في ذاكرة كل من يشاهده، ويزرع في النفوس شعوراً بأن الكرامة نفسها أصبحت هدفاً.
ثم يأتي المشهد الأكثر إرباكاً… الرواية.
في كثير من الأحيان، تُقلب الوقائع رأساً على عقب. يتحول المعتدى عليه إلى متهم، ويُقدَّم المستوطن المسلح على أنه مدني، بينما يُصوَّر الفلسطيني الذي كان في بيته أو على أرضه وكأنه مصدر الخطر. يسمع الفلسطيني هذه الروايات، ثم ينظر إلى ما وثقته الكاميرات وما عاشه الناس بأعينهم، فيشعر أن الحقيقة نفسها أصبحت ضحية أخرى.
وربما ما يثقل القلب أكثر من كل ذلك هو الصمت.
صمت عالم يرى كل شيء ولا يتحرك بما يتناسب مع حجم المأساة. صمت عربي يترك شعوراً عميقاً بالخذلان. وصمت رسمي فلسطيني يراه كثيرون أقل من حجم الألم الذي يعيشه الناس يومياً. وبين كل هذا، يبقى المواطن العادي وحيداً، يحاول أن يحافظ على أسرته، وعلى رزقه، وعلى ما تبقى من اتزانه النفسي.
الفلسطيني اليوم لا يعيش حرباً فقط، بل يعيش استنزافاً مستمراً لمشاعره. يستيقظ على خبر اقتحام، ويذهب إلى عمله عبر طرق مغلقة، ويطمئن على أحبته قبل أن يطمئن على نفسه، ويعود إلى منزله وهو لا يعرف ماذا سيحمل له اليوم التالي.
ومع ذلك، يواصل الحياة.
يزرع أرضه رغم الخوف، ويرسل أبناءه إلى مدارسهم رغم القلق، ويحتفل بنجاحهم رغم الدموع، لأنه يدرك أن التمسك بالحياة أصبح شكلاً من أشكال الصمود.
لكن يبقى السؤال الذي لا يجد جواباً…
إلى متى سيبقى الفلسطيني مطالباً بأن يكون قوياً في كل مرة؟ إلى متى سيُطلب منه أن يدفن شهيداً في الصباح، ثم يبتسم لابنه المتفوق في المساء؟ إلى متى سيُترك يواجه هذا الواقع وحده، بينما تمر صوره أمام العالم كأنها مشاهد اعتيادية لا تستحق سوى دقائق في نشرات الأخبار؟
لسنا شعباً يعشق الحزن، ولا شعباً يبحث عن المأساة. نحن فقط نريد أن نعيش حياة طبيعية؛ أن نفرح عندما ينجح أبناؤنا دون أن يخطف الحزن فرحتنا، وأن نصل إلى بيوتنا دون خوف، وأن نزرع أرضنا دون اعتداء، وأن نودع موتانا بكرامة، وأن يشعر أطفالنا بأن المستقبل يمكن أن يحمل لهم أكثر من الأخبار العاجلة.
وربما كان أكثر ما يلخص حال الفلسطيني اليوم، أنه لم يعد يسأل متى ستنتهي هذه المأساة، بل أصبح يسأل: هل سيأتي يوم نستطيع فيه أن نفرح دون أن يطرق الحزن بابنا في اللحظة نفسها؟